الشيخ محمد هادي معرفة
115
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
2 - يقع - بطبيعة الحال - اختلاف بين التراجم ؛ لاختلاف السلائق بل العقائد التي يذهب إليها كلّ مذهب من المذاهب ، وكذا اختلاف المواهب والاستعدادات في فهم معاني القرآن وترجمتها وَفق الأفهام والآراء المتضاربة ؛ ولهذا الاختلاف في تراجم القرآن آثار سيّئة ؛ إذ يستتبعها اختلاف الاستفادة واستنباط الأحكام والآداب الشرعيّة ، وكلّ قوم من الأقوام إنّما يرتأي حسب ما فهم من الترجمة التي أتيحت له ، وربّما لا يدري مدى اختلافها مع سائر التراجم « 1 » . لكن هذا خروج عن مفروض الكلام ، فإنّ للترجمة ضوابط يجب مراعاتها ، ولا سيّما ترجمة القرآن الكريم ، يجب أن تكون تحت إشراف لجنة رسميّة ، ومن هيأة علماء وأدباء اختصاصيّين برعاية حكومة إسلاميّة قاهرة ، لا تدَع مجالًا لتناوش أيدي الأجانب فيجعلوا القرآن عضين ، كما هو الشأن في رسم خطّ المصحف الشريف ، وطباعته على أصول مقرَّرة ، تحفظه عن الاختلاف والاضطراب . نعم ، يجب أن يعلم كلّ الأمم الإسلاميّة ، أنّ الترجمة لا تضمن واقع القرآن ، وأنّ المصدر للاستنباط واستخراج الأحكام والسنن للمجتهدين هو نصّ القرآن الأصل ، ليس ما سواه . هذا أمر يجب الإعلان به ، فلا يذهب وهم الواهمين إلى حيث لا ينبغي . نعم ، على كلّ محقّق إسلاميّ أن يتعلّم القرآن بلغته العربيّة الفصحى ، وليست الترجمة بذاتها لتفي بمقصوده أو تُشبع نَهْمَه . * * * 3 - أنّ للقرآن في كثير من آياته حقائق غامضة ، قد تخفى على كثير من العلماء ، وقد يعلمها غيرهم ممّن جاء بعدهم ؛ ولذلك أمثلة كثيرة . فلو ترجمنا القرآن وَفق معلومنا اليوم ، ثمّ جاء الغد ليرتفع مستوى العلوم وينكشف من حقائق القرآن ما كان خافيا علينا ، فهل نخطّئ أنفسنا بالعلانية ونغيّر الترجمة ونعلن للملأ ، أنّ الذي ترجمناه أمس أصبح
--> ( 1 ) - . القول السديد ، ص 17 - 18 .